إلى الأمم القوية: هذه حروبكم
فأين التجارة العادلة والتنمية الموعودة؟

12.02.2024
د.كمال ديب
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Print Friendly, PDF & Email

بقلم د. كمال ديب

عندما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها بعدما سقط 60 مليون نسمة ولحق الدمار الهائل معظم البلدان المشاركة، استبشر العرب - مع شعوب إفريقيا وآسيا - بعالم جديد يسوده السلام سيكون جنّة حقيقية، فيمتّعون بثرواتهم وينالون حريتهم بعد قرن من الاستعمار الغربي. ولكن بعد مرور 80 عاماً تلاشى الحلم الوردي وأصبحَ عالمُ اليوم صندوقُ قمامة كبير تحكمه بالقوّة أقلية في الغرب تعيش في نعيم.  فماذا حصل يا ترى لبترِ آمال وطموحات الانسانية وتحويلها إلى تعاسة وتشاؤم؟
إنّ تاريخُ البشرية المدوّن يشير إلى حوادث أكثر ضراوة وخسائر بشرية مما حصل في الحرب العالمية الثانية. فالطاعونُ أصاب أوروبا في القرن الرابع عشر وقتل 100 إلى 200 مليون، وغزوات المغول على العراق وبلاد الشام وشرق أوروبا في القرنين الثالث عشر والرابع عشر قتلت ملايين البشر. وحتى في العصور القديمة عندما كان العالم المعروف صغيراً، سعت امبراطوريات لتسيطر عليه: فحاول الإغريق بقيادة الاسكندر المقدوني هليَنة العالم، كما حاول الفرس بقيادة قورش السيطرة على العالم المعروف آنذاك، وكذلك فعل الرومان في أوجهم.

ولكن بعد قرون اختفى هدف توحيد العالم لتظهر ممالك أوروبا الناهضة في القرن السابع عشر، فانتقل مركز الحضارة والإشعاع إلى الغرب. ولكن حلّ التنافس فيما بين هذه الدول حتى أدركت أنّ منطق توحيد العالم تحت راية واحدة قد انتهى. فقد فشلت محاولات فرنسا في توحيد العالم من خلال حروب نابليون بونابرت في مطلع القرن التاسع عشر. ونقل الرجل الأبيض تنافسه من الميدان الأوروبي إلى الخارج. فشرعت دول بريطانيا وفرنسا وهولندا وإسبانيا والبرتغال في غزو بقية قارات العالم، في حملات استعمارية لنهب الشعوب وثرواتها وحضاراتها. فنظرت بريطانيا إلى شعوب الهنود الحمر في أميركا الشمالية بأنّهم متوحشون sauvages  يحق للإنسان الأبيض أن يسلخ جلدة رأسهم ويبيدهم. ونظرت إسبانيا إلى شعوب أميركا اللاتينية بأنّهم وثنيون (حتى لو كانوا أصحاب مدنية كالآزتيك والمايا) يجوز قتلهم ونهب ذهبهم.

لقد تمدّد الرجل الأبيض عسكرياً في أنحاء المعمورة بداعي تمدين البشر "mission civilisatrice ".  سوى أنّ هذا التمدّد لم يكن خيراً على البشرية بل كارثة. إذ نحر الاستعمار الغربي الشعوب السمراء في سعيه إلى الثروات. ففي القارة الأميركية قتلت جيوش بريطانيا وفرنسا وأسبانيا والبرتغال حوالي مائة مليون من الشعوب الأصلية التي كانوا يسمّونها خطأً "الهنود الحمر" (ظن البحّار كولمبوس أنّه وصل الهند). ثمّ أن بريطانيا استجلبت ملايين من الأفارقة كعبيد للعمل في المستوطنات في أميركا واستعمرت الهند وأصبحت امبراطورية لا تغيب عنها شمس. وحتى ربيبتها أميركا مارست أيضاً إبادة الشعب الأصلي بالتهجير القسري والغزوات والمجازر.  وابتلعت بالحرب أراضٍ شاسعة من المكسيك هي كاليفورنيا وتكساس ونيومكسيكو، وهيمنت على عدد كبير من دول اميركا اللاتينية، وضمّت جزر هاواي عام 1900.
وعاد مرض توحيد العالم إلى الظهور هذه المرّة في محاولات ألمانيا النازية في حروب آدولف هتلر، فكانت النتيجة اندلاع الحرب العالمية الثانية (1939-1945) وتراجع الاستعمار الأوروبي في فرنسا وهولندا واسبانيا وانكسار المشروع النازي. فاستبشرت شعوب العالم الثالث خيراً بقرب نيلها البحبوحة والسيادة في عالم تسوده العدالة الاقتصادية والديبلوماسية: كيف لا وقد وعد الغرب من خلال منظمة الأمم المتحدة بنقل الرخاء والحداثة إلى المستعمرات السابقة ومنها الدول العربية التي بدأت تنال استقلالها تباعاً. وبالفعل نشأت الأمم المتحدة مع منظمات دولية هدفها مساعدة الدول النامية والمتخلفة على اللحاق بركاب الغرب، وصدرت في أوروبا وأميركا نظريات التنمية الاقتصادية في الخمسينات والستينات، وخصّصت الدول الغربية قسماً من ميزانياتها لمساعدة الدول الفقيرة. ومن نماذج تلك الفترة أنّ مصر وسوريا كانتا على مستوى تنمية واحد مع كوريا. وهذه كانت الصورة البهية، رغم الشوائب، من 1945 إلى منتصف الستينات.

ولكن الفكر الاستعماري لم يختف تماماً في ذهن الرجل الأبيض، بل استمر لدى العنصر الأنغلو - ساكسوني بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، وريثة بريطانيا، حيث اعتبرت أميركا أنّها تمثّل المركزية الغربية، تقود نواة أنغلو- ساكسونية من خمس دول (أميركا وبريطانيا وكندا ونيوزيلاندا وأوستراليا) كما تقود الحلف الغربي المعروف بالناتو. لقد دخلت أميركا الميدان الدولي بقوّة السلاح: فهي استعملت القنابل الذرية ضد اليابان عام 1945 وقتلت 220 ألفاً، وأشعلت الحرب الكورية في الخمسينات التي سقط فيها 5 ملايين كوري. وتمدّدت في فترة الحرب الباردة التي استعرت في الفترة 1970 – 1990: فمن حرب الهند-الصينية (فيتنام - لاوس - كمبوديا )التي قُتـل فيها 3 ملايين فيتنامي، إلى حروب الصومال وأفغانستان والخليج والعراق. حتى باتت أميركا إمبراطورية عسكرية تنشر جيوشها في 180 دولة وتمخر أساطيلها عباب كل المحيطات والبحار.

ورافق التوسع العسكري الأميركي عملية هيمنة اقتصادية باتت تعرف باسم ريغانوميكس Reaganomics وتاتشرزم Thatchérisme  (نسبة إلى الرئيس الأميركي رونالد ريغان ورئيسة حكومة بريطانيا مرغريت تاتشر)، فازدادت ديون الدول النامية وخيّم عليها الفقر والتخلّف، كما تراجعت رغبة الغرب في مساعدة الدول الفقيرة، لتبدأ مرحلة جديدة من التاريخ الاقتصادي في العالم تسمى النيوليبرالية.
وما زاد الطين بلة أنّ أميركا قد استحضرت مفهوم توحيد العالم تحت رايتها. فهي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1990 طوّرت استراتجيتها واعتبرت أنّ "التاريخ انتهى" لصالحها وأنّ القرن الحادي والعشرين سيكون قرناً أميركيّاً American Century بامتياز. فعاد منطق توحيد العالم بالقوة كما كان في الماضي السحيق، وهذه المرّة عبر فرض هيمنة أميركية ساحقة على الكوكب بابتلاع شرق أوروبا وتطويق الصين ونهب ثروات شعوب آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية. فكانت نتيجة الآحادية الأميركية هي إزدياد الحروب والافقار والتصحّر وتلوّث البيئة وهجوم الأوبئة.

من منظار العام 2024 في المنطقة العربية بالذات يساورنا الألم لمصاب البشرية بعد 80 سنة تقريباً من انتظار فرج التنمية الموعودة. إذ بعد كل هذا الانتظار يحل الدمار العظيم في الأرض العربية وتسقط جراء الإفناء أعداد مهولة من المواطنين العرب، وليس آخر الأهوال ما يحدث في غزة اليوم وما حدث ويحدث في دول عربية أخرى. حتى باتت كلمة السرّ لدى من بقي على قيد الحياة ورأى ما رأى من العرب: عند تغيير الأمم إحفظ رأسك.

وهنا ندعو أميركا والغرب إلى العودة إلى المثل العليا والمبادىء السامية التي وضعوها هم. فالعيب ليس في اقتصاد السوق لأنّ فلاسفة الرأسمالية وفي طليعتهم مفكرون إنكليز من طراز آدم سميث ودايفيد ريكاردو وجون ستيوارت ميل وصولاً إلى جون ماينارد كاينز، أكّدوا أنّ الاقتصاد الحرّ الذي أوصوا العمل به والذي يتضمن سياسة laisser faire "دعه يعمل دعه يمرّ"، لن ينجح ما لم يهتم أصحاب رأس المال بشؤون الفقراء والعمّال ويدعموا دولة الرعاية الاجتماعية، ما يضمن عدم انحدار المواطن إلى مستوى الحرمان. وما نرى اليوم أنّ طمع قوى رأس المال العالمي وتخليهم عن المبادىء يسيرُ بالكوكب من حرب إلى حرب، في صراعٍ مريرٍ على الموارد والنفوذ: مئة شركة قابضة تسيطر على أكثر من نصف ثروة دول العالم، وعلى رأسها عدد محدود من الأشخاص في كوكب  مزدحم بثمانية مليار إنسان. ومئات مليارات الدولارات تهدر لتدمير دول أخرى ومحاصرتها وتجويعها.

إنّ شعوب الأرض، ومنها العرب، ستقبل بأميركا أخرى، متى كانت عادلة في التجارة وفي الديبلوماسية، ويتذكرون أميركا الجميلة التي تقدّم الاختراعات التكنولوجية وتنشر الثقافة بالسينما والتلفزيون والكتب، والتي باتت الألبسة والأطعمة والماركات التجارية التي تنتجها معروفة ولها سمعة حسنة في العالم، والتي تحظى جامعاتها ومؤسساتها الاجتماعية باحترام وتقدير الشرق والغرب. ليس عاراً الاعتراف بالخطأ واحتضان البشرية بأنّنا إنّما أسرة واحدة في كوكب الأرض مصيرنا مشترك وحياة كل طفل في غزّة مهمة لزعماء واشنطن.