إعادة ترتيب البيت السعودي
قيادة شابة لمشروع «السعودية الجديدة»

11.01.2019
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Printer Friendly and PDF
أعاد الملك سلمان بن عبد العزيز ترتيب أوراق الحكم عبر أوسع عملية تغيير في مناصب الوزراء وأمراء المناطق والمستشارين وكبار المسؤولين في عدد من المواقع الحساسة مثل الشورى والقضاء والقوى العسكرية والديوان الملكي ومجلسي الشؤون الأمنية والاقتصادية. وأولت الأوامر الملكية أهمية خاصة لتعزيز اللحمة السياسية حول الحكم، كما اهتمت بإعادة هيكلة مجلس الوزراء وتعزيز دوره في القيادة اليومية للبلاد، إضافة إلى توسيع نطاق المشاركة السياسية، مع تعزيز مركزية السلطة بقيادة الملك. وتعتبر التغييرات الأخيرة أوسع عملية إعادة تشكيل للسلطة التنفيذية في المملكة في ظل تولي الأمير محمد بن سلمان منصب ولاية العهد، ما يفسّر البصمات الواضحة للأمير في العديد منها.
تمّت التغييرات الشاملة في ضوء تجربة السنوات القليلة الماضية، وهذا النوع من المراجعة الدورية من أعلى المستويات لأداء المؤسسات والقيادات، يعتبر أمراً إعتيادياً في المملكة التي تملك نظاماً فعّالاً لإنتقاء القيادات وترقية الكفاءات من خلال تجربة الأشخاص في أكثر من موقع ومتابعة إنجازاتهم وتجمّع الرأي حولها في أوساط الدولة.  
وهذا التقييم المرتكز على «الإجماع» Consensus يتمّ على مستويات الهرمية السعودية عبر نوع من الشورى والتواصل المستمر بين مختلف مستويات الحكم وصولاً حتى مركز القرار الأول وهو الملك ومساعدوه المقربون. والبيئة السعودية مترابطة، الجميع فيها يعرف الجميع، والتواصل دائم ويرتكز على أواصر وقواعد عميقة، وهي بيئة للعلاقات وربما الإنتماء دور مهم فيها (في ميزان الثقة) لكن مع إعطاء أولوية للكفاءة والأداء.  
ولا ننسى أن الكفاءات السعودية أصبحت متوافرة على مختلف المستويات بسبب سياسات الإبتعاث والتخصص والتدريب وتراكم التجارب بسبب تدوير الكفاءات في مختلف المؤسسات والمسؤوليات.  
وفي هذا السياق، لا بدّ من التأكيد على الدور الكبير الذي لعبه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في إطلاق أشمل عملية تحديث لهياكل وأنظمة الدولة وتفعيل الإدارات الحكومية عبر إدخال معايير المساءلة والأداء وإعطاء فرص أكبر لجيل الشباب الذي يمثل الغالبية في المجتمع السعودي. 
 ويبدو نهج ولي العهد السعودي واضحاً في الصعود المتزايد للأجيال السعودية الشابة إلى سدة المسؤوليات الحكومية وأكثر هؤلاء من أصحاب الكفاءات أو من الذين درسوا في الجامعات الدولية وهم بالتالي على تواصل مع ما يجري في العالم وقادرون على مساعدة ولي العهد في استكمال عملية التحول الاقتصادي والاجتماعي في المملكة وتحقيق رؤية 2030 بكل مفاعيلها وأبعادها. 
ويكفي النظر في التعيينات والأوامر الملكية الأخيرة لنلاحظ أن متوسط عمر المسؤولين الكبار وأمراء المناطق وغيرهم من القادة إنخفض بنسبة كبيرة عما كان عليه قبل أعوام.
بالطبع، سيكون هناك من يشير إلى أن السرعة في نقل الراية من جيل إلى جيل قد تؤثر على مبدأ الاستمرارية واستقرار التقليد الحكومي، وقد حدث صعود «الحرس الجديد» فعلاً في وقت قصير نسبياً، وواجه السعوديون وغير السعوديين خصوصاً أصحاب الأعمال والشركات، غياب العديد من أصحاب القرار الذين كان يتم التعامل معهم لسنوات طويلة وبروز الحاجة للتعرف على المسؤولين الجدد وطريقة تفكيرهم وأسلوب عملهم، وكل ذلك يأخذ وقتاً، كذلك فإن أصحاب القرار الجدد يحتاجون الى استجماع الخبرات وإعادة حبك الروابط مع البيئات والفئات التي باتوا مسؤولين عن العمل معها.
رغم ما قد يحدث من تعثر مؤقت، فإن هذا الإنتقال الدقيق أمر لا مفرّ منه لسبب بسيط هو قوة الدفع التغييري الذي أدخله الأمير محمد بن سلمان إلى المجتمع السعودي وعمل الدولة السعودية وكذلك السرعة التي يعمل بها، وكلا الأمرين مبرر في نظره بسبب ضيق الوقت والحاجة الماسة لتحقيق النقلة الإصلاحية المطلوبة في جميع الميادين. ولهذا السبب تجد السعودية نفسها مضطرة لتعويض ما فات عبر تسريع وتيرة التغيير وتجديد الدولة والمجتمع، وكل تلك الأمور غير ممكنة من دون تأهيل جيل جديد من القيادات الشابة أو المخضرمة القادرة على العمل مع ولي العهد ومشاركته الأعباء الهائلة لمشروعه التغييري الكبير. 
إلا أن القرارات والأوامر الملكية الأخيرة تشير في الوقت نفسه إلى استشعار أهمية الجمع بين تجديد الإدارات وتأكيد ثقافة العمل والأداء وبين الاستمرارية في جهاز الدولة أي بين بث الدم الجديد في الإدارة وبين الاحتفاظ بالخبرات الثمينة للجيل السابق ودوره في رعاية القيادات الجديدة وإدخالها في الثقافة الخاصة بالعمل الحكومي السعودي، فلا تحصل إنقطاعات مفاجئة تؤثر على بيئة العمل وعلى الاندفاع في الخدمة وبالتالي على مصالح المجتمع والمواطنين. والمجتمع السعودي مختلف تماماً عن المجتمعات الغربية كونه قائماً على التوادد والتراحم ومراعاة النسيج الاجتماعي والمكانة الشخصية.
لذلك، فإن التحدي الدائم سيكون في كيفية المواءمة بين الثقافة والمفاهيم والطبائع الراسخة وبين ضرورة إعلاء مصلحة الدولة وبالتالي إدخال ثقافة العمل والإنجاز والشفافية.