المصارف العربية والمعايير المحاسبية الدولية

04.12.2018
Twitter icon
Facebook icon
LinkedIn icon
e-mail icon
شارك هذه الصفحة مع آخرين
Printer Friendly and PDF
عاصم البعيني

وجدت المصارف العربية شأنها شأن نظيرتها العالمية نفسها أمام واقع تسارع تطبيق حزمة من المعايير الدولية، وتجلت قبل سنوات قليلة بمعايير «بازل 3»، وصولاً إلى المعايير المحاسبية الأهم التي بدأ تطبيقها بداية العام الحالي، والتي تمثلت بشكل خاص بالمعيار المحاسبي (IFRS9)،يضاف إليها المعايير ذات الصلة بمكافحة غسل الأموال والتهرب الضريبي وحتى الشمول المالي، كانت لها آثار على المصارف العربية، في ظل ما تعيشه بعض دول المنطقة من اضطرابات سياسية وأمنية، كل ذلك فرض مزيداً من الارتفاع في التكلفة التشغيلية نتيجة الحاجة الى تأسيس إدارات جديدة وضمّ كفاءات مصرفية إليها.       

إذا كان من الصعوبة بمكان حصر أثر تطبيق معايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وسواهما على أداء القطاع المصرفي، بالنظر إلى الطابع الفضفاض لهذا المعيار، غير إن ذلك لا ينطبق على المعايير المحاسبية بالنظر إلى وضوحها. وعلى هذا الأساس فرض معيار IFRS9 تغييراً في طريقة احتساب المخصصات مقابل الائتمان عبر ضرورة تقدير قيمة الخسائر الائتمانية المتوقعة (Expected Credit Lose) وتجنيب مخصصات مقابلها، مع تعميم مبدأ تجنيب المخصصات بشكل استباقي أي بتاريخ منح القرض حتى في حال عدم تعثر العميل، وذلك طوال المدة الزمنية للائتمان. 

تباين التطبيق 

أظهر تطبيق المعيار تبايناً في تعامل المصارف المركزية العربية، سواء لجهة الالتزام بتوقيت التطبيق أو نطاقه من خلال حصره بجزء من المحافظ الائتمانية كالاستثمارات أو الائتمان، غير إن النتيجة الأهم المستخلصة من تجربة الدول التي بدأت التطبيق تمثلت في قدرة المصارف على استيعاب الأعباء المالية للمعيار عبر استقطاع المخصصات من ميزانياتها الحالية سواء من بند الأرباح المتبقاة أو الاحتياطات، في حين أن النسبة الأقل من المصارف لجأت إلى خيار رفع رأس المال، مع احتمال لجوء مصارف جديدة إلى الخيار نفسه خلال الفترة المقبلة، سواء في الدول التي لم تبدأ التطبيق بعد، أو لدى شريحة أخرى قد تضطر إلى تجنيب المزيد من المخصصات. 

إلتزام خليجي 

وأظهرت التجربة تفاوتاً واضحاً في مقاربة الجهات الرقابية العربية للتطبيق، ففي السعودية مثلاً عمدت مؤسسة النقد العربي السعودي «ساما» إلى تطبيق المعيار منذ بداية العام الحالي، وأظهرت مختلف المصارف السعودية مرونة في التعامل مع متطلبات المعيار وقدرتها على تجنيب المزيد من المخصصات من ميزانياتها الحالية، وبلغ إجمالي المبالغ المقتطعة من بند حقوق المساهمين نحو 14.53 مليار ريال خلال الربع الأول من العام الحالي، ومن المتوقع أن تستمر المصارف في النهج نفسه خلال الفترة المقبلة، في حين لم يكشف أي منها عن خطط لرفع رأس المال انسجاماً مع الواقع المحاسبي الجديد. 

وبخلاف المصارف المركزية الخليجية الأخرى التي واكبت « ساما» في توجهها، اعتمد بنك الكويت المركزي مقاربة مختلفة، عبر التطبيق الجزئي للمعيار على الشق الخاص بالاستثمارات، مع تأجيل التطبيق على الجزء الخاص بالائتمان حتى الربع الأول من العام المقبل. وفي هذا السياق، توقفت وكالة «فيتش» (Fitch) عند هذا التباين لتؤكد أن المخصصات التي جنّبتها المصارف الكويتية على مدى السنوات الماضية وتشدّد البنك المركزي فيها ستكون كافية لتلبية متطلبات المعيار، مشيرة إلى أن معدلاتها الوسطية بلغت نحو 280 في المئة من القروض المتعثرة، ولفتت الوكالة إلى أن المصارف الخليجية الأخرى قد تكون بحاجة إلى المزيد من المخصصات مقارنة بنظيرتها الكويتية. 

بدوره، منح مصرف لبنان المصارف حق استقطاع المخصصات المطلوبة للمعيار من بند المطلوبات غير المصنفة (Deferred Liabilities)، والمقدرة بنحو 5.5 مليارات دولار، والتي سبق تجنيبها بموجب برنامج الهندسة المالية المعتمد في العام 2016، وقدر رئيس لجنة الرقابة على المصارف في مصرف لبنان سمير حمود قيمة المخصصات المجنّبة مقابل الخسائر الائتمانية المتوقعة (ECL)، بنحو ملياري دولار. 

معظم المصارف قادرة على استيعاب تكاليف تطبيق IFRS9

المعايير الأخرى 

أما البنك المركزي المصري ونظيره العراقي، فقررا بدء التطبيق مع بداية العام الحالي، وهنا يوضح محافظ البنك المركزي العراقي علي العلاق أنه جرى إعداد التعليمات الخاصة بالمعيار الدولي للتقارير المالية الرقم 9 (IFRS9)، وتزويد المصارف بها لإبداء ملاحظاتها على أن يجري تطبيقها بداية العام المقبل، وفي السياق نفسه تعاقدت المصارف مع شركات تدقيق دولية بهدف تقييم جودة الموجودات، ووضع سياسات وإجراءات وضوابط متعلقة بإدارات الامتثال فيها.

أما بالنسبة الى المعايير الأخرى الخاصة بالامتثال ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، فمن الواضح أنها رتبت نتائج على تواجد المصارف الأجنبية في المنطقة، التي لجأت شريحة واسعة منها إلى اعتماد مبدأ تخفيف المخاطر (De-Risking) عبر اعتماد خطة للتخارج من أسواق محددة أو قطع علاقاتها مع مؤسسات أو أفراد ينطوي التعامل معها على مخاطر مرتفعة، ويشكل هذا النهج المعتمد من المصارف الأجنبية فرصة أمام المصارف المحلية لتعزيز حصصها السوقية.