قطاع النفط والغاز في لبنان حزمة إصلاحات لمكافحة الفساد

2016-06-15

لبنان أسير نظام غريب التكوين والأداء، فعلى الرغم من صغر مساحته، ما زال يتآكل ويصغر أكثر فأكثر بسبب تركيبة طبقته السياسية المبنية على الطائفية والمذهبية.
لقد غادرتُ لبنان في العام 2007 لأشق طريق مستقبلي في قطاع البترول بدءاً من دبي، ثم كازاخستان وصولاً الى المملكة المتحدة والعراق وغيرها، ولكن لم يفارقني يوماً حلم العودة الى لبنان للعمل والاستقرار فيه. وجاء إكتشاف البترول والغاز في مياهه الإقليمية  مناسبة لي لتحقيق الحلم آملاً أن يتسع صدر الوطن لي ولغيري، وأن تساهم خبراتي في إزدهاره ونموه. .

ناقشتُ رسالتي الماجستير في جامعة تافتس Tufts Universityفي مدينة بوسطن الأميركية في شهر آذار من العام 2016، بعنوان "مكافحة الفساد في قطاع النفط والغاز في لبنان: معركة الإصلاحات القضائية، السياسية Anticorruption in Lebanon’s Oil and Gas Sector
- Judicial, Political and Social Reform Battles -
والإجتماعية" وبنيتُ بحثي على سؤالين أساسيين هما:

  • ما هو تأثير اكتشاف الغاز في المياه الاقليمية اللبنانية على مستوى الفساد في لبنان؟
  • ما هو النموذج الذي يمكن تطبيقه الآن لحماية قطاع النفط والغاز من الفساد؟

تتركز رسالتي على رؤية خاصة لمواجهة واضحة ضد الفساد في قطاع النفط والغاز من خلال الصراع على ثلاث جبهات أساسية: قضائية، سياسية، وإجتماعية أخذاً في الإعتبار أن هذه المواجهة هي رحلة طويلة ومليئة بالمخاطر والخيبات، لكنها معارك تستحق التضحيات من أجل حماية قطاع يُروَّج أنه منقذ للبلد، ويمكن بل يجب كسبها، لأجل مصلحة لبنان واللبنانيين.

الوضع السياسي والمؤسساتي ومستوى الفساد في لبنان:

سياسياً، لبنان، ومنذ استقلاله في العام 1943 محكوم من طبقة سياسية تتقاسم السلطة في ما بينها وتتقاسم السيطرة على الوطن وثرواته ومَن فيه، كما إن الوضع السياسي زاد سوءاً  في السنوات الأخيرة لأسباب عديدة منها، تأجيل الانتخابات الرئاسية منذ أكثر من سنتين، وتمديد المجلس النيابي لنفسه حتى العام 2017. إن مسيرة لبنان في الديمقراطية الشكلية هي مسيرة مليئة بالمطبات، يحكمها العنف ويعشش فيها الفساد.
وعلى صعيد المؤسسات فهي ضعيفة ومشلولة، وأدى عدم تفعيلها بشكل جدي الى زيادة ضعف المؤسسات في لبنان بعد تراجع سيادة القانون والإستقرار السياسي خصوصاً في السنوات العشر الأخيرة، وبسبب المزيد من هيمنة الزعامات والتفكك الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.
وقد وردَ في مؤشر الفساد Corruption Perception Index العام 2015 أنَّ لبنان هو في المرتبة 123 من أصل 168 بلداً كما وإن معظم مؤشرات الفساد العالمية والمحلية تبيّن زيادة متسارعة للفساد في لبنان. الخطر، هو، هذا القبول العام  على اعتبار الفساد جزءاً اساسياً في التركيبة اللبنانية، والأخطر، انعدام ثقة المجتمع الدولي واللبنانيين في إرادة و/أو قدرة الدولة على مكافحة الفساد (68% من اللبنانيين يعتبرون ان الأحزاب السياسية فاسدة، و89% منهم يعتقدون بهيمنة اشخاص معدودين على الدولة ومؤسساتها).
بعد هذه اللمحة السريعة التي تثبت عدم الاستقرار في الحياة السياسية اللبنانية، وضعف المؤسسات العامة، وزيادة نسبة مستوى الفساد، بالاضافة الى وجود العديد من البحوث والنظريات التي تظهر علاقة قوية بين استخراج الموارد (مثل النفط أو الغاز) والفساد، نستنتج بأنه إذا لم يتم التحرك الفعَّال، فإن استخراج وتطوير قطاع النفط والغاز في لبنان سيؤدي لا محالة الى استمرار تصاعد نسبة الفساد، والأدهى إلى تغيير في كيان الدولة نفسها.

نموذج التشريع والمبادرة لمكافحة الفساد:

اذاً ما هو النموذج الذي يمكن تطبيقه لحماية قطاع النفط والغاز الناشئ في لبنان من الفساد؟
إهتممت في دراستي بنموذج التشريع والمبادرة لمكافحة الفساد الذي تقترحه الخبيرة الرومانية في العلوم السياسية د.ألينا مونجيو بيبيدي، والتي تصنف الأنظمة الحاكمة إلى: نظام شمولي Universalism، أو نظام خصوصي Particularism، أو نظام خصوصي تنافسي Competitive Particularism، حيث تسود ثقافة المصالح والتنافس على الإمتيازات. النظام الشمولي تسوده معايير العدالة الفردية والمساواة في الحقوق والواجبات بغض النظر عن الإنتماءات، اما النظام الخصوصي فتسوده الإمتيازات الشخصية وعدم المساواة. وتصنّف د. بيبيدي الفساد كما هو مبيّن في الجدول الرقم 1:

وتشير د. بيبيدي إلى أن سرّ بقاء المجتمعات ذات النظام الخصوصي التنافسي هو من خلال قنوات للتحرك العمودي من مستوى اجتماعي معين الى مستوى أعلى، ومثال على ذلك: الزواج من عائلة سياسية، أو العمل مع أو الإلتحاق بزعيم سياسي، وهكذا يكون طموح الشباب هو دخول هذه القنوات بدلاً من التغيير الاجتماعي، او الثورة على المتحكمين بثروات البلاد والشعب.
لا بدّ من موافقة د. بيبيبدي رأيها بأن التشريعات وحدها ليست كافية لمكافحة الفساد في الأنظمة ذات الطبيعة الخصوصية التنافسية، وأؤيد اقتراحها للخطوات الأربع لمكافحة الفساد مع بعض التعديلات، لتصبح التالية:

  • بناء قوة فاعلة، أو جيش اجتماعي واعٍ مقابل الزعامات المتحكمة Insurrectional Army، مكوّن من الواعين لجريمة الفساد ومن الذين يتكبّدون الخسائر بسبب الفساد.
  • إقامة معايير الشمولية (دولية) Norms of Universalism، وتشمل ببساطة معايير العدالة والنزاهة في الحياة العامة، والتي يجب أن تكون جزءاً أساسياً من اي برنامج سياسي.
  • الضغط من أجل اعتماد "المنهجية المؤسساتية Institutional Approach والتي يمكن استخدامها من القوة الفاعلة الواعية ضد الفساد، وتشمل هذه الأسلحة تشريعات الشفافية والإفصاح الإلزامي للثروة من قبل السياسيين وموظفي الخدمة المدنية والقضاة بالحقيقة لا الإكتفاء بالشكل والديكور، وهنا مطلوب الدعم الدولي لنجاح هذه الخطوة.
  • خلق حوافز للجهات المعنية لتكون شفافة، والتي يتمّ توفيرها من قبل التدقيق المستمر والمساءلة.

معظم التحركات لمكافحة الفساد تبدأ من الخطوة الثالثة، بإعتماد التشريعات والقوانين لمكافحة الفساد، لكنها تفشل بسبب الاعتماد على المتحكمين في الشأن السياسي للتصديق على هذه التشريعات، وبسبب عدم وجود وعي وتحرُّك اجتماعي فاعل، او معايير واضحة متفق عليها.
     نموذج المعارك الاصلاحية الثلاثة لمكافحة الفساد في قطاع النفط والغاز في لبنان:

  • إنطلاقاً من تجربتي في قطاع النفط والغاز ومعرفتي بلبنان والمجتمع اللبناني، واسترشاداً بنموذج د. بيبيدي، أقترح تركيز جهود مكافحة الفساد في قطاع النفط والغاز، من خلال محاور إصلاحية على الفساد، والقيام بجهود جدية للإصلاحات في المجالات التقنية، القضائية، السياسية والاجتماعية. المعركة التقنية مهمة جداً، وهي خارج نطاق هذه الأطروحة، لذلك أضع النموذج المقترح التالي، تحت تسمية "نموذج المعارك الاصلاحية الثلاثة" Three-Battles Anticorruption Model التي تتناول الإصلاحات القضائية، السياسية والاجتماعية المطلوبة لمكافحة الفساد في قطاع النفط والغاز في لبنان.
  • ان هذه المعارك يجب ان تبدأ الآن من أجل تحسين مستوى الشفافية وتخفيض نسبة الفساد. وكل تأخير في ذلك يزيد من صعوبة الوصول الى تحقيق الهدف. هناك ترابط كبير بين هذه المعارك الثلاث، حيث انه( لا يمكن الفوز بالمعركة القضائية من دون الفوز بالمعركة السياسية،كما وإنه لا يمكن الفوز بالمعركة السياسية من دون الفوز بالمعركة الاجتماعية وبالتالي، فإن المعركة الاجتماعية هي الأهم والأصعب).

على المستوى القضائي:
ان كسب المعركة القضائية يتم من خلال العمل بالتوصيات التالية:

  • وضع وإقرار وتطبيق قوانين مكافحة الفساد بشكل عام، والتي إن طُبِّقت ستؤثر مباشرة في مستويات الفساد في قطاع النفط والغاز، وهي: قانون حق الوصول الى المعلومات العامة، قانون حماية المبلغين عن الفساد، مراسيم تطبيق قانون الإثراء غير المشروع، وقانون رفع الحصانة، وغيرها...
  • أخذ قرار وتطبيق المناقصة التدريجية للبلوكات البحرية، بدل من طرحها جميعها للمناقصة في وقت واحد والفائدة من ذلك هي استخلاص الدروس المستفادة من كل مرحلة وتطبيقها على المرحلة المقبلة، بالإضافة إلى كسب المزيد من الوقت بين مناقصة وأخرى من أجل تحديث القوانين في قطاع النفط والغاز وجعلها فعّالة وعملية.
  • تعزيز دور التدقيق الحكومي ومثال على ذلك: اعتماد تغييرين رئيسيين على الهيكل الحالي لديوان المحاسبة:
  • فصل المدققين عن القضاة، وجعلهم في قسمين مختلفين: قسم التدقيق والقسم القضائي.
  • تغيير التراتبية المتبعة حالياً في ديوان المحاسبة، وهي رفع تقارير الديوان من قسم التدقيق والقضاة الى مجلس الوزراء، لتصبح من قسم التدقيق الى القسم القضائي، للبدء بالمجريات القضائية من دون تأخير عن قصد أو عن غير قصد من مجلس الوزراء.
  • كلا التغيرين يعطيان وظيفة التدقيق لمدققي الحسابات الذين هم الخبراء في هذا المجال، الذين يرفعون تقاريرهم إلى القسم القضائي للعمل الفوري بدلاً من انتظار المؤسسة السياسية لبدء العمل.
  • توظيف شركات استشارية لاقتراح قوانين جديدة وتحديث القوانين القائمة، وزيادة التواصل مع اللبنانيين لفهم سبب عدم الامتثال للقوانين.
  • (المعركة القضائية لا يمكن كسبها من دون المعركة السياسية،حيث ان الجسم السياسي هو الممر الرئيسي للإصلاحات القضائية).

على المستوى السياسي:
صادقت الطبقة على قانون الموارد البترولية في المياه البحرية العام 2010، وعلى إنشاء هيئة ادارة قطاع البترول LPA في 2012، لكنها فشلت في تحقيق اي تقدم في القطاع منذ ذلك الحين. ويشبِّه اللبنانيون الغاز المكتشف في المياه البحرية على انه قالب حلوى يتنافس السياسيون والزعماء على تقسيمه، وانه لن يتم التقدم بهذا القطاع إلا بعد ان يكتمل تقسيم القالب في ما بينهم، لكن هناك حقيقتين أساسيتين يجب اخذهما في الاعتبار:
أولاً: حتى الآن لم يتم تأكيد وجود مكونات قالب الحلوى هذا. ان التصوير الزلزالي Seismic Imaging غير كافٍ للتأكيد النهائي على وجود المكونات، والتي يمكن تأكيدها فقط عندما يتم حفر آبار التقييم الأولية.
ثانياً: إن خبز قالب الحلوى قد لا يكون ممكناً إذا لم يتم تأكيد وجود الغاز بالكميات الاقتصادية التي تمكّن إستخراج وتطوير الحقول بشكل مربح.
لذلك كسب المعركة السياسية بطرق أقل راديكالية من ثورة عامة وشاملة من وجهة نظري يتم من خلال العمل بالتوصيات التالية:

  • استئناف عمل المؤسسات السياسية هي الخطوة الأولى لتحقيق اي تغيير سياسي.
  • توفير موظفين أكفاء ومتخصصين لهيئة ادارة قطاع البترول في لبنان.
  • الإلتزام بالجداول الزمنية للمناقصات ومنح العقود.
  • رعاية ودعم الجهود المبذولة لبناء الإطار القانوني الصحيح لكافة اقسام قطاع النفط والغاز

(المعركة السياسية لا يمكن كسبها من دون المعركة الاجتماعية، حيث يجب ان يكون المجتمع المدني الفعَّال هو الممر الرئيسي للإصلاحات السياسية).

على المستوى الإجتماعي

على الرغم من تحركات المجتمع المدني الذي يشهده لبنان في الآونة الأخيرة، إلا ان الطبقة السياسية ما زالت هي القوة المحركة في هذا البلد ولذلك على المجتمع المدني ان يغيّر في طريقة التحركات من اجل زيادة فعاليتها. ان كسب المعركة الاجتماعية يتم من خلال العمل بالتوصيات التالية:

  • المثابرة على بناء القوة الفاعلة الضاغطة ضد المتحكمين السياسيين، والمكوّنة من الفئة الطليعية الواعية. ويتم ذلك بنشر الوعي، والتركيز على الخسائر التي يتكبّدها الناس بسبب الفساد، بدلاً من التركيز فقط على فساد الطبقة السياسية التي ما زالت تستقطب المؤيدين رغم فسادها.
  • زيادة التمثيل الاجتماعي ضد الفساد، عن طريق تركيز المزيد من الوقت على التفاوض ونشر الوعي مع ممثلي مختلف أطراف المجتمع المدني. إن تكريس الجهود يجب ان يكون على لم شمل جميع الأطراف المختلفة من أجل زيادة الضغط على المؤسسة السياسية لتحقيق تقدم في قطاع النفط والغاز.
  • زيادة الجهود المبذولة لبناء "النضوج البترولي" في المجتمع اللبناني، بالتوازي مع زيادة تدريجية في الشفافية. يومياً نجد تقارير عن الفساد التي لا تتم متابعتها، وبالتالي الشفافية في قطاع البترول من دون النضوج البترولي لن تؤدي الى النتيجة المرجوة لمكافحة الفساد في القطاع.
Questions about our magazines? Contact us on +961 1 780200 or email info@iktissad.com now!

Design, Development and Maintenance by Al-Iktissad Wal-Aamal.
Copyrights © 2014 Al-Iktissad Wal-Aamal. All rights reserved.