ثلاث مليارات دولار لتسليح الجيش اللبناني السعودية تموّل "خيار الدولة" في لبنان

2014-01-07
الاقتصاد و الاعمال

اعتبرت مجلة الاقتصاد والأعمال في عددها الأخير ان قرار خادم الحرمين الشريفين عبد الله بن عبد العزيز بدعم الجيش اللبناني بـثلاثة مليارات دولار، من القرارات الإستراتيجية التي تؤشر عادة إلى تغييرات أساسية، وهو ربما إحدى الوسائل التي يتم تصميمها مع معطيات وخطوات لاحقة لإحداث تلك التغييرات. وذكرت المجلة في مقال افتتاحي، ان أهمية القرار لا تقتصر على حجم المساعدة وتوقيتها وطريقة الإعلان، فقط بل أنه جاء في إطار تفاهم إقليمي دولي على تقديم دعم غير مسبوق للدولة ومؤسساتها الشرعية عبر دعم مؤسسة الجيش وكذلك مؤسسة الرئاسة. وكل من المؤسستين يحظى بشبه إجماع داخلي في وقت يسود الشلل المؤسسات السياسية الأخرى.

ومن الواضح أن لهذا التفاهم عراباً كبيراً هو الملك عبد الله بن عبد العزيز، أما أطراف التفاهم فتضمّ أولاً فرنسا التي لها مكانة خاصة في لبنان، وهي عملياً القوة الأهم في قوات اليونيفيل في الجنوب اللبناني، كما أنها هي التي نصّ الإتفاق صراحة على كونها المصدر المتوقع لتزويد الجيش اللبناني بالأسلحة والعتاد. وهناك طرف لم يظهر في الإتفاق لكنه حاضر باستمرار وهو الولايات المتحدة الأميركية التي يُرجّح أن يكون التفاهم اللبناني السعودي الفرنسي قد تمّ بمعرفتها وبدعم منها. أما فحوى التفاهم ومضمونه الأساسي فهو العمل على حماية لبنان ووحدته وأمنه من التداعيات المحتملة لمزيد من التدهور في الوضع السوري والذي بات يمثل حرباً أهلية مفتوحة ومن دون أفق، وعبئاً هائلاً بشرياً واقتصادياً على لبنان.

أبعاد القرار السعودي

وأشارت المجلة إلى ضرورة التوقف عند المغازي الأبعد للخطوة السعودية والتي تبدو بمثابة "ضربة معلم" كما يقال بهدفها وتوقيتها، كما أنها خطوة تبدو مشابهة في مغزاها وقوتها للقرار السريع والمفاجئ الذي اتخذته المملكة مع دولتين خليجيتين حليفتين هما الكويت والإمارات عندما قررت هذه الدول تقديم عون عاجل إلى مصر بقيمة 12 مليار دولار. يومها بدت الخطوة أيضاً بمثابة ردّ تكتيكي سريع على الموقف الأميركي من الحكومة الإنتقالية التي قامت بعد خلع الرئيس محمد مرسي، وتهديد بعض الأوساط السياسية الأميركية بوقف المعونة التي تقدمها واشنطن لمصر والتي تزيد قليلاً على مليار دولار سنوياً، إلا أن الخطوة بدت في الوقت نفسه بمثابة عنوان جديد لتبدل أساسي في استراتيجية المملكة نحو دبلوماسية أكثر جرأة وسرعة وحسماً في مواجهة التحديات. تبع ذلك، وفي موقف غير مسبوق من أي دولة عضو في الأمم المتحدة، رفض المملكة العربية السعودية شغل المقعد الذي انتخبت إليه كعضو غير دائم في مجلس الأمن احتجاجاً على "الميوعة" الدولية وخصوصاً الموقف الأميركي من أحداث المنطقة بدءاً بالوضع السوري وانتهاء بالوضع في فلسطين. هذه الدبلوماسية القوية هي نفسها التي ترجمت مؤخراً في قرار دعم الجيش اللبناني والذي يمثل في الحقيقة تبنياً سياسياً أيضاً للجيش ولمؤسسات الدولة الشرعية واستثماراً في مؤسسات الدولة ورهاناً عليها وعلى سيادة لبنان.

وقالت أن الرئيس ميشال سليمان وقادة المملكة السعودية والدول الصديقة قلبوا جيداً ميزان الأمور في لبنان، والنتائج التي قد تترتب على استمرار المأزق السوري الدامي لفترة طويلة، وما يبدو من شيوع الفوضى المسلحة وإنهيار الأمن، وهو وضع تفاقم مع انهيار الدولة أو إنسحابها، يقابل ذلك غياب قوة معارضة موحدة يمكنها ان تتولى بكفاءة إدارة المناطق التي تقع تحت سيطرتها العسكرية.

وبالطبع فإن الوضع لا يبشِّر. صحيح أن القوى اللبنانية ما زالت قادرة على ضبط النفس ولو على كره منها، كما أن الأنواء السورية لم تتمكن بعد من زعزعة البنيان اللبناني الهش، لكن استمرار الفراغ السياسي في حدّ ذاته وغياب أي مساع جدية لإتفاق داخلي، يزيدان مع الوقت مخاطر تفكك البلد، إذ أننا قد نشهد مع الوقت تحول ظواهر مثل الصراع في طرابلس أو التوتر في صيدا أو ظاهرة الإغتيالات إلى حالة عامة من الصراع المسلح والنافذة التي تدخل منها القوى الظلامية التي تفتك الآن بإنسانية السوريين وعيشهم وكرامتهم.

دعم مؤسسة الرئاسة

واعتبر المقال إن الدعم المالي السعودي للجيش بالصورة التي تمّ إخراجه بها يحمل بدوره رسائل لا تخفى على المراقب الحصيف. لعلّ أهمها أنه شكّل بالإضافة إلى دعم الجيش، دعماً للرئيس سليمان في الوقت نفسه، وقد ألمح الرئيس صراحة إلى دور مباشر له في الخطوة السعودية، إذ قال في الكلمة التي وجهها إلى اللبنانيين: "تمكَّنتُ من خلال الاتصالات مع السعودية ومع الملك عبد الله بن عبد العزيز من توفير دعم إستثنائي لصالح الجيش اللبناني". مضيفاً أن الهدف هو "صون السلم الاهلي والوحدة الوطنية ومواجهة الإرهاب وضبط فوضى السلاح" ولفت في الوقت نفسه إثارة الرئيس سليمان لموضوع التمديد له، إذ قال: "لم أناقش يوماً مع السعودية ولا مع الرئيس الأميركي أو غيره تمديد ولايتي الرئاسية أو تشكيل الحكومة، وهم لم يطرحوا معي هذه المواضيع"، كما لفت أيضاً اختتام الرئيس اللبناني لكلمته بهذه الجملة: "عاش الجيش اللبناني وعاشت السعودية وعاش لبنان".هذه التحية التي قد لا تروق للبعض تعبّر من جهة عن شعور إمتنان حقيقي للموقف السعودي لكنها تعكس أيضاً تقييماً جديداً لآفاق الدور السعودي في لبنان وفي منطقة الشرق الأدنى عموماً.

بالطبع لا يمكن للرئيس سليمان أن يتحدث عن التمديد بغير صيغة النفي، لكنه وإن لم يكن راغباً في التجديد أو التمديد، فإن التفاهم المتنامي في لبنان وفي الدوائر الدولية المعنية، قد يجعل تمديد الولاية الرئاسية أمراً مرغوباً فيه أو ربما لا مفرّ منه، لأنه يوفر على لبنان المنقسم حول الحكومة وحول المحكمة وحول سورية وحول الأمن، وغيرها الكثير، خطر انقسام جديد حول الرئاسة والمزيد من النزاعات والتوترات وربما المواجهات. والرئيس ميشال سليمان بات مجرباً، وأثبت أنه رجل اعتدال لكنه أيضاً رجل الموقف الشجاع كلما تطلبت مصلحة البلد ذلك، وهو لذلك في نظر كثيرين خير من يمكنه "تقطيع" هذه المرحلة الحرجة والمرتبطة بالمحنة السورية ربما بانتظار أن تضع الأزمة في سورية أوزارها وتبدأ عملية لملمة الجراح وإحياء الدولة وإطلاق عملية البناء.

لبنان اولوية سعودية

هناك ملاحظة أخيرة قد تحمل طمأنة إضافية للبنانيين وهي أن القرار السعودي بتوفير ثلاثة مليارات دولار للجيش اللبناني يعني أن لبنان أصبح أولوية سعودية مثلما أن الوضع في مصر أصبح في وقت ما إحدى أولويات الإستراتيجية السعودية في المنطقة. بالطبع في كلا الحالين أظهرت السعودية أنها باتت مستعدة للدفاع عن الأمن الإقليمي بقوة غير مسبوقة وأنها مستعدة لأن تقرن إلتزامها السياسي بتوفير الموارد الضرورية اللازمة على الأرض، وليس بواسطة الجهود الدبلوماسية وحسب. وفي ظنّنا أن السعودية التي تقدم للجيش اللبناني ثلاثة مليارات دولار لن تتردّد في الدفاع عن الاقتصاد اللبناني إذا دعت الحاجة، عبر ضخ المساعدات المالية كما فعلت في حالة مصر وكما سبق وفعلت خلال العدوان الإسرائيلي على لبنان العام 2006.

بالطبع الوضع اللبناني ما زال بخير بفضل حيوية اللبنانيين وقوة اقتصاد الاغتراب ومناعة المصارف وسهر البنك المركزي، لكن الرسالة وصلت، وهي أن لبنان أولوية سعودية، وأن المملكة عازمة على الدفاع عن هذه الجبهة المهمة لأمنها ولإستقرار المنطقة مهما كان الثمن.

Questions about our magazines? Contact us on +961 1 780200 or email info@iktissad.com now!

Design, Development and Maintenance by Al-Iktissad Wal-Aamal.
Copyrights © 2014 Al-Iktissad Wal-Aamal. All rights reserved.