السعـوديـة أولاً

2013-06-06
الاقتصاد و الاعمال

نشرت مجلة الاقتصاد والاعمال مقالا في عددها الاخير بعنوان "السعودية اولا" بقلم رئيس تحريرها الزميل رؤوف ابوزكي، يتناول العلاقات اللبنانية- السعودية في ظل التطورات السياسية الاخيرة. وفي ما يلي المقال:

يقول المثل إنه لا يصحّ إلا الصحيح، والصحيح في لبنان أننا بلد يعتمد في عيشه واستقراره على التوازن والوئام بين المكونات الرئيسية للبلد، وفي كل مرة حصل خروج على هذه القاعدة كان لبنان يدفع الثمن من استقراره أو من سلمه الأهلي.

ومنذ اتفاق الطائف بصورة خاصة حصل لبنان على صيغة توازن أثبتت فعاليتها وكانت في أساس النهوض الاقتصادي الذي حققه البلد والذي تمثّل حتى وقت قريب بمعدلات نمو عالية واستقرار نقدي وازدهار مصرفي وعقاري وسياحي ونمو مطرد في الصادرات، وانعكس ذلك بصورة خاصة بتصنيف ائتماني جيد للبلد رغم ظروفه السياسية واحتياط نقدي هو ولا شك بين الأضخم في الدول العربية غير النفطية.

لكن الازدهار اللبناني اعتمد أكثر ما اعتمد على عمل اللبنانيين في منطقة الخليج وخصوصاً في المملكة العربية السعودية، وعلى مليارات الدولارات التي يتم تحويلها سنوياً من المنطقة ومن المملكة بالذات، حيث يعمل نحو 200 الف لبناني إما في مواقع إدارية وفنية رفيعة غالباً، وإما كأصحاب أعمال فتحت المملكة لهم أبوابها ومنحتهم فرصة المساهمة في اقتصادها المزدهر، وفي الوقت نفسه فرصة إنهاض لبنان والحفاظ على مستويات عيشه المريحة بكل مقياس.

ونشير هنا أنه، وعلى الرغم من سياسات الجفاء بل والتوتير المجاني الذي تعرّضت له علاقات لبنان بالمملكة في الفترة السابقة، فإن المملكة لم تتخذ أية تدابير تضايق اللبنانيين، كما أنها لم تقم بأية أعمال تمييزية تفرق بينهم على أساس الانتماء أو الهوى السياسي. على العكس استمر اللبنانيون في العمل الحرّ داخل المملكة والتي يشتهر عن حكومتها أنها بعيدة النظر ولا تستدرج إلى المساس بالأساسيات بفعل بعض الظروف العابرة. والمملكة تتصرف دائماً كدولة كبيرة فعلاً وهي معروفة بالحكمة في معالجة الخلافات وتقلبات السياسة. أما في لبنان فقد حلّ نزق البعض محل الثوابت والحسابات المتزنة ولغة الصداقة والمصلحة.

لكن طريق الانفعال والسلبية لا تنتج الإيجابيات، وفي لبنان لم تتمكن حكومة اللون الواحد من الصمود وخسرت منذ انطلاقها دعم نصف اللبنانيين وكذلك الدعم الحيوي لأهم محور سياسي واقتصادي إقليمي يتمثل في المملكة السعودية وحلفائها في دول مجلس التعاون الخليجي. وكان مستغرباً بل ومجافياً لأي منطق أن يعتقد بعض السياسيين في غمرة انسياقهم الغريزي أنه يمكن للبنان مجافاة السعودية ودول الخليج وهو المعتمد في الكثير من عيشه وازدهاره عليها. ونحن لا نتحدث هنا فقط عن حجم المبادلات وعلى الدعم النقدي السعودي لليرة في أحرج ظروف البلد، بل نتحدث عن حجم التمازج الإنساني عبر اللبنانيين في المملكة وعن الاستثمار وعن السياحة السعودية في لبنان التي تجلب للبلد إنفاقاً ضخماً بسبب القوة الشرائية الكبيرة للسائح السعودي.

وعليه، فقد أحسنت الأطراف السياسية اللبنانية المتنازعة فعلاً عندما توافقت جميعها على تصحيح الخطأ عبر استقالة حكومة الفريق الواحد أولاً ثم تكليف شخصية معتدلة ومقربة من المملكة السعودية هي النائب تمام صائب سلام بتشكيل حكومة يُتوقع أن تكون من شخصيات فاعلة وأن تحقق تمثيلاً وطنياً واسعاً. وهذه الحكومة المتوازنة ستكون في الوقت نفسه الطرف الأكثر أهلية لتسهيل التوافق على قانون للإنتخابات وإجراء انتخابات نيابية يمكن أن تقرّر اتجاه البلد لسنوات طويلة مقبلة.

لقد نُشرت تعليقات كثيرة حول دور المملكة الفاعل في إخراج البلد من المأزق السياسي وحالة المراوحة العقيمة، ووصف البعض هذا الدور بـ "الرعاية" وأطلق عليه البعض الآخر«الوصاية» وهو تعبير ظالم يقوم على إجراء مقارنات في غير محلها وتتجاهل التاريخ الطويل من الدعم غير المشروط للبنان. على العكس من ذلك، أثبتت التطورات السياسية الإيجابية أن اللبنانيين جميعاً، وبغض النظر عن مواقفهم السياسية وتبايناتهم الداخلية، يحتاجون إلى الدور التوسيطي والتصالحي لدولة وازنة وعاقلة مثل السعودية، وهو دور يقوم على علاقات الودّ والإيجابية مع مختلف أطراف الوضع السياسي في البلد.

لذلك، فإن أفضل تعبير يمكن أن يطلق على الدور الذي لعبته المملكة مباشرة أو عبر السفير السلس والنشط علي عواض عسيري هو أنه دور "إنقاذي" فهو أكثر من الرعاية ولا يمتّ إلى الوصاية بصلة، وهو دور يعكس تقدير المملكة لأهمية لبنان في المنطقة وأهمية الحفاظ على استقراره وسلمه الأهلي، لأن السعودية تعلم أن أية أزمات يمرّ بها البلد لا بدّ وأن تؤثر على المنطقة. هذا التكامل في المصالح والاحترام المتبادل كان دوماً وعبر السنين الأساس التاريخي المتين الذي بُنيت عليه العلاقات السعودية اللبنانية، وهو أساس لا بديل منه كما أثبتت التجربة اليتيمة للحكومة المستقيلة.

وعلى اللبنانيين بل وعلى كل العرب أن يدركوا بأنه إذا ظلت السعودية بخير فإنهم بخير، فهي العمق الاقتصادي للدول العربية غير النفطية بل والنامية عامة.

رؤوف أبوزكي

Questions about our magazines? Contact us on +961 1 780200 or email info@iktissad.com now!

Design, Development and Maintenance by Al-Iktissad Wal-Aamal.
Copyrights © 2014 Al-Iktissad Wal-Aamal. All rights reserved.