دبي: ملجأ الثروات في زمن الثورات

2012-12-07
الاقتصاد و الاعمال

اقتصاد دبي يندفع بقوة الاقتصاد وبرياح مواتية تهب من المنطقة
الأوروبيون الذين شكلوا في مصدرا رئيسيا للطلب على العقارات في دبيحل مكانهم عرب الخليج ومواطنو بلدان الربيع العربي
السياحة والتسوق عادتا إلى عهدهما السابق وسوق العقار يتحرك بحذر وبطلب انتقائي
أبرز مظاهر النمو الصحّي زيادة الناتج المحلي مع تراجع مؤشر التضخم بالمقارنة مع 2011


دبي كسبت الرهان على إمكان النهوض والعودة إلى دورها الفريد كواحة للاستقرار والأعمال في منطقة باتت أكثر أطرافها تئن تحت عبء الثورات والفتن وعدم الاستقرار. وذكر تحقيق نشرته مجلة الاقتصاد والأعمال أن "دبي التي أنجزت منذ أكثر من عقد من الزمن القسم الأهم من البنى التحتية لاقتصاد حديث ومنفتح على الأعمال والرساميل والسياح تجد نفسها اليوم مهيئة أكثر من غيرها لاستيعاب الاهتمام المتجدد بها كبلد للعمل والرفاهية والعيش السهل. كما أن دبي تستفيد اليوم من الاستثمارات الضخمة التي أنجزتها في العقد الماضي وإن بالاقتراض الكثيف وترتيب مديونية ضخمة، كما أنها تستفيد من كونها المقصد الطبيعي لجميع الباحثين عن بدائل للأوضاع المضطربة في عدد من بلدان المنطقة أو الساعين بكل بساطة لأن يكون لهم مكان في هذا البلد الذي رسخ سمعته كمقصد آمن للأعمال والتجارة فضلا عن الإقامة المطمئنة".

وتضيف الاقتصاد والأعمال في تحقيقها أن الأوروبيين الذين شكلوا في وقت سابق مصدرا رئيسا للطلب على العقارات في دبي "حل مكانهم العديد من عرب الخليج أو مواطنو بلدان الربيع العربي الذين أخرجوا بعض ثرواتهم بهدف حمايتها من غدرات الزمان في بلدانهم، وجاء أيضا الإيرانيون الذين يعانون ظروفا اقتصادية صعبة جدا في بلدهم كما يعانون من آثار الحصار وصعوبة الحصول على المستحقات المالية، وفي أثر الإيرانيين جاء العديد من أصحاب الثروات من الهند وباكستان وبعض مناطق آسيا. وقد استفادت دبي بشكل خاص من نقل المراكز الرئيسية للعديد من الأعمال والشركات من بعض دول المنطقة إليها، علما أنها مجهّزة تجهيزا تاما لاستقبال الأعمال الجديدة بسبب التطور الكبير في نظام الخدمات وسهولة تأسيس الأعمال وسخاء النظام الضريبي وسهولة استقدام العمالة وإقامتها".

وهذا الاهتمام المتجدد بدبي يبدو الآن بوضوح في إحصائيات السياح والركاب العابرين أو القادمين عبر مطار دبي كما أنه يبدو بوضوح في أرقام التجارة ونتائج الشركات العاملة وحركة الاستخدام والطلب على العقار تملكا أو إيجارا كما يبدو أيضا في حركة التسوق النشطة وزحمة السير التي عادت بعد مظاهرها لتذكر بأن الأمور عادة إلى طبيعتها في الإمارة.

مؤشرات ذات دلالة

هنا بعض المؤشرات ذات الدلالة:

  • تجاوز عدد سكان دبي في نهاية العام 2011 بينما عدد الموجودين فيها خلال النهار الرقم الـ 3 ملايين شخص. وتظهر ارقام لسمات الدخول الممنوحة من قبل إمارة دبي في العام 2012 زيادة كبيرة في الحركة، إذ زاد عدد سمات الدخول بنسبة 12 في المئة خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام
  • يتوقع أن يرتفع الناتج المحلي لإمارة دبي بنحو 3,4 في المئة خلال العام 2012 وأن ترتفع قيمة تجارتها الخارجية بنحو 1,3 مليار درهم خلال العام 2012 وأن تتجاوز قيمة الاستثمارات الخارجية لهذا العام الـ 700 مليار درهم، كما يتوقع أن تبلغ قيمة الاستثمارات الموظفة في المناطق الصناعية الحرة نحو 383 مليار دولار.
  • قدّرت إحصاءات دبي أن التجارة الخارجية غير النفطية للإمارة زادت بنسبة 12 في المئة لتبلغ نحو 600 مليار درهم خلال النصف الأول من 2011 مقارنة بنحو 535 ملياراً للفترة المماثلة من العام 2011. ويعتبر هذا الرقم الأعلى في تاريخ تجارة دبي وهو يفوق الرقم 458 مليار درهم الذي سجّلته دبي في ذروة الفورة العقارية في العام 2008 وقبل انفجار الأزمة المالية العالمية في العام نفسه.
  • من المؤشرات المهمة التي تدلّ على نمو اقتصادي صحي أن نمو الناتج المحلي ترافق مع تراجع مؤشر التضخم في دبي من 116,31 في المئة في النصف الأول من 2011 إلى 114,6 في المئة في النصف الأول من العام 2012. (2007 =100)
  • ارتفع معدل إشغال فنادق دبي بشكل ملحوظ خلال العام الحالي ووصل إلى 95 في المئة في بعض المناسبات مثل عطلة عيد الأضحى. وسجلت خلال الأشهر التسعة الأولى من العام، ارتفاعا في عدد السياح بنسبة 9 في المئة مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي. اما قيمة العائدات الفندقية فبلغت خلال النصف الأول من العام نحو 9.8 مليارات درهم، بزيادة قدرها 22 في المئة عن الفترة المماثلة من العام 2011. وبلغ عدد نزلاء المنشآت الفندقية نحو 5.02 ملايين نزيل، بزيادة 10 في المئة، أما عدد الليالي السياحية فبلغ 19.2 مليون ليلة، بزيادة بلغت 18 في المئة مقارنة بالنصف الأول من العام الماضي.
  • ارتفع الدخل الصافي للغرفة في العام 2012إلى 253 دولاراً شهرياً في مقابل 169 دولاراً شهرياً في الفترة المقابلة من العام 2011، وأصبحت دبي تحتل مرتبة تعلو عن مقاصد سياحية شهيرة مثل باريس ولندن وروما ومدريد ولوس أنجلوس وهونغ كونغ.
  • شهدت أسعار العقار في النصف الأول من 2012 وفي بعض المناطق المرغوبة تحسناً بلغ أحيانا 15 في المئة مقارنة مع معدلات أسعار العام 2011، وارتفعت القيمة العقارية بنسبة 54 في المئة في الفصل الأول من 2012 حسب دائرة الأراضي في دبي كما ارتفعت قيمة الصفقات بنسبة 32 في المئة مقارنة مع الفترة نفسها من العام 2011.
  • سجّل مؤشر بورصة دبي أعلى نسبة تحسّن بين بورصات الخليج خلال العام 2012.
  • عادت حركة التشغيل بقوة مع سعي الشركات لاستخدام المزيد من العمالة الماهرة استجابة لتحسن الحركة في الأسواق. وعلى سبيل المثال، أعلنت شركة طيران الإمارات في مطلع العام عن نيتها توظيف نحو 4,500 موظف جديد، كما أعلنت شركات الخدمات العامة مثل: الكهرباء والمياه وشركة إعمار وشركة دوبال للألمنيوم عن طلب أعداد كبيرة من العمال والموظفين الإضافيين، وبدأ التنافس على العمالة الماهرة ينعكس بعودة معدلات الرواتب إلى الارتفاع.
  • سُجّل ارتفاع ملحوظ في الإنفاق الإعلاني، كما عادت حركة السير إلى حيويتها في المدينة بما في ذلك حركة الانتقال في مترو دبي.
  • بلغ عدد الركاب الذين مروا عبر مطار دبي 18,8 مليون راكب في الربع الأول من 2012 بزيادة 14 في المئة عن العدد المسجّل في الفترة نفسها من العام 2011.

طموح دبي يتحرك مجدداً

هذه النتائج المشجّعة حرّكت روح المبادرة والإقدام مجدداً في الإمارة التي أظهرت موهبتها الشهيرة في تسويق البلد عندما أعلنت مؤخراً عن مشروع لبناء نسخة مطابقة عن مزار «تاج محل» الشهير في الهند ليكون أحد المعالم الشهيرة التي تضاف إلى معالم الإمارة وتعزّز جاذبيتها كمقصد عالمي للتسلية والسياحة والتسويق.

وبالطبع أرادت سلطات الإمارة من الإعلان عن عدد من المشاريع الطموحة التي كانت قد تأجلت بسبب الأزمة المالية العام 2008 ، التأكيد على أن قطاع العقار بلغ مرحلة من التعافي باتت تسمح بإطلاق مشاريع جديدة في مختلف قطاعات العقار. فهل حقاً دخلت عقارات دبي مرحلة التعافي؟ وكم من الزمن سيستغرق نهوض العقار من كبوته؟ وهل نشهد فعلاً عودة لصورة النشاط التي شهدناها قبل الأزمة؟

لا بدّ من التذكير أولاً بأن الأزمة المالية فاجأت التوسّع الجامح (والمضاربي غالباً) في عقارات دبي وقد كانت السوق أصلاً تجلس على قنبلة موقوتة إسمها الفائض الهائل للعرض العقاري نتيجة سهولة الاقتراض واستمرار الفقاعة العقارية. وبالطبع جاءت الأزمة المالية واختفاء السيولة المصرفية لتوجها ضربة موجعة إلى مختلف قطاعات العقار التي تراجعت أسعارها بنسبة 65 في المئة منذ العام 2009. وأحد آثار الأزمة لا تزال ماثلة في العقارات السكنية التي لا تزال 25 في المئة منها فارغة في وقت تتوقع شركة «جونز لانغ لاسال» أن تشهد السوق إضافة 25 الف متر مربع جديدة في العام 2013 المقبل نتيجة تنفيذ عقود بناء متفق عليها قبل انهيار السوق. في المقابل لا يزال ثلث المساحات القابلة للتأجير في حي الأعمال في دبي غير مشغول علماً أن نسبة الإشغال هي أقل من ذلك في العديد من أبنية المكاتب في المدينة. وعلى الرغم من ذلك، فإنه من المتوقع أن يضاف إلى السوق نحو 90 ألف متر مربع من مساحات المكاتب في العام 2013 وهو ما يعادل 13 في المئة من المساحات الإجمالية الموجودة.

ضغوط الفائض العقاري

على الرغم من مضي بعض الشركات في تنفيذ مشاريع عقارية محدودة، فإن محفظة كبيرة من المشاريع العملاقة التي كانت الحديث اليومي للسوق تمّ التخلي عنها مؤقتاً بسبب عدم توافر الموارد، والشكوك المستمرة حول جدواها الاقتصادية.

العقار: طلب حذر وانتقائي

يشير العاملون في العقار إلى أن الطلب الجديد على عقارات دبي ما زال انتقائياً جداً ويتركز في عدد من المناطق الراقية مثل شارع الشيخ زايد وفي المنطقة المحيطة ببرج خليفة، كما أنه يتناول بعض المجمّعات الجاذبة مثل مشروع «آرابيان رانشز» و«إميرات هيلز» و«دبي مارينا» وغيرها. وهناك أيضاً مشاريع شركة «إعمار» التي تمكّنت من بيع نحو 500 شقة في المنطقة المحيطة ببرج خليفة، علماً أن الشركة اشترطت على المشترين تأمين 20 في المئة من ثمن الشقة قبل توقيع عقد البيع القانوني. ويعتبر شرط إعمار تنفيذاً للسياسات التي فرضتها حكومة دولة الإمارات بهدف الحدّ من إمكان تجدّد المضاربات العقارية في السوق، إذ حظرت الحكومة على شركات المقاولات الشروع في بيع أي مشروع عقاري قبل استكمال 20 في المئة من أعمال البناء، في حين كان ممكناً لأي شركة أن تبيع المشروع كله «على الخريطة» أحياناً حتى قبل استكمال معاملات شراء الارض التي يفترض أن يبنى عليها. ومن بين السياسات التي استهدفت زيادة مناعة السوق إزاء أي تجدد لممارسات مرحلة الفورة، قرار البنك المركزي لدولة الإمارات الذي حظّر على البنوك منح تسليفات للشركات التابعة للحكومة تفوق حجم رأس مالها، بعد أن تكبّدت حكومة أبوظبي أموالاً باهظة لتعويم بعض الشركات الحكومية التي تعرّضت لخسارة رأس مالها.

عبء الديون

في غضون ذلك، تتابع حكومة دبي والعديد من الشركات التابعة لها الجهد الدؤوب لإعادة جدولة تركة الديون التي خلّفتها مرحلة التوسّع الاقتصادي والعمراني، وتشير الأنباء إلى أن العديد من شركات دبي إما أنها توصّلت إلى اتفاقات أولية حول إعادة جدولة الدين أو أنها حققت تقدماً لا بأس به في المفاوضات مع البنوك الدائنة، هذا مع العلم، أن عبء الدين المترتب على دبي ما زال ضخماً، إذ يصل إلى 113 مليار دولار يستحق قسم مهم منها في السنوات الثلاث المقبلة، وهناك حسب صندوق النقد الدولي ديون بقيمة 15 مليار دولار تستحق العام المقبل.

يبقى القول إن تحسّن اقتصاد دبي ومداخيلها سيكون أحد العوامل المهمة التي ستسهل إنهاء ملف الديون، إلا أن استكمال دبي لنهوضها الحالي سيعتمد إلى حد كبير على قدرتها على استقطاب المزيد للإقامة والعمل في الإمارة، وبالتالي عودة سكانها إلى معدلات الزيادة الملفتة التي سجلت عشية اندلاع الأزمة المالية العالمية سنة 2008، وهي أرقام الزيادة التي بنيت عليها يومذاك رؤية الإمارة للتوسّع الاقتصادي والعمراني.

Questions about our magazines? Contact us on +961 1 780200 or email info@iktissad.com now!

Design, Development and Maintenance by Al-Iktissad Wal-Aamal.
Copyrights © 2014 Al-Iktissad Wal-Aamal. All rights reserved.